ليلة السفر إلى موسكو

ليلة السفر إلى موسكو

رن جرس الهاتف في ساعة متأخرة يون الاثنين، هرعت السيدة الأولى ناسيةً خدمها وحشمها ورفعت السماعة، لتسمع صوتاً غير مألوف يطلب زوجها، لوهلةً شعر رجل المخابرات أنه “مخربط بالنمرة” إلا أن قرطة حرف السين في كلمات الطرف الآخر جعلته يتأكد من صحة الأرقام التي طلبها موظف السنترال.

أصابت بشار فرحة عارمة، لأول مرة يتأكد أنه إذا غادر حي المهاجرين سيعود إليه، ولن يكون هناك من تنازعه نفسه اغتنام العرش المحروس إيرانياً وروسياً.

منذ أربع سنوات كان أبو حافظ يخاف حتى من أخيه ماهر، لكنه بعد دقائق من فرحه بالاتصال شعر بالفزع، إنها زيارة إلى معلمه بوتين، إنه مطالب بعرض نتائج الحرب وقبول ما يتم طرحه دون نقاش، وعرضت في ذهنه بعجالة أهم الأحداث التي واجهها في آخر خمس سنوات.

ما انفك أبو حافظ عن لعن ساعة انطلاق الثورة أبداً، قبلها كان ينعم بما ترك له والده من وزن، وكان الجميع يناديه بابن حافظ مع لقب الرئاسة، واليوم بات مجرداً من جميع الألقاب، وبات لبابا الفاتيكان صلاحيات أوسع من صلاحياته.

وقال لزوجته: هالروس شكلهن اضرب من الإيرانية، طالبيني إلي لحالي بدون لا ؤزير خارجية ولا وزير دفاع، هدولاك باسوأ الأحوال طلبوا اعضاء الحكومة بالكامل مع الكوادر الحزبية ع السفارة مشان اخد بالخاطر.

أسماء الأخرس اعتادت أن تنصت لزوجها وإيهامه بالطاعة، وتمرير رغباتها بالهيلمة، وعادة ما اصطدمت بوالدة بشار، أنيسة مخلوف، التي رفضت التنازل عن لقب السيدة الأولى لا بحلال ولا بحرام.

في الحقيقة بشار يدرك كل ذلك، ويشعر بالراحة عندما ينشغل في إخماد ثورة الشعب عن مشاكل زوجته ووالدته المصونتين، ولكن الدعوة الشخصية المنفردة ستترك غيظاً عظيماً في نفس زوجته.

في نهار الليلة المنتظرة قررت أسماء مغادرة القصر والصعود إلى حيث البيئة الأصلية لزوجها، هناك جلست مع النسوة المتقدمات في السن ومع أبناء ضحايا حرب زوجها، وشربت معهم كوباً من شراب عمار سريع الذوبان، نخب آلائهم وأبنائهم.

وصل بشار إلى بهو الاستقبال، وقرب الموقد الكلاسيكي جلس قبالة معلمه بوتين، وشعر فجأة بضرورة الذهاب إلى الحمام ودج الكبيرة (الغائط) فبدا محمر الوجه، مكفهر التعابير، مرتبكاً، يهز رأسه مثل رقَاص ساعة عتيقة.

كان المترجم يمشي خلف بشار الذي استغل انشغال الديبلوماسيين الروس برسم ابتسامات مزورة أمام كاميرات الصحافة المعزومة، لينسم بشار إلى من خلفه روائح عطرة، ناتجة عن تلبك معوي أصابه في الليلة السابقة، وقرر المترجم ألا يجلس بجانبه في جلسة الحوار حتى لو كانت كاميرات العالم تصور ذلك.

عندما وقع ناظر بشار على مكان الحوار، سره لون الدهان الأبيض على الجدران، كان ينظر إلى أحذية القوم حتى يتأكد أن ما برجليه مناسب لهذه الجلسة الأكابرية، خصوصاً وأن سجادة الأحذية تحت أقدامهم جميعاً كانت فارسية.

عادت الذاكرة ببشار إلى أيام الدراسة، فحديث بوتين كان محاضرةً طويلةً عريضة، حتى أن المترجم أسقط بعض كلمات الشتائم الروسية من حديثه، ليس لأنها غير مناسبة، بل لأنه يجهل معناها بالعربية، وتأكد من أن سياق الحديث يؤدي ذلك المعنى.

حرص بشار على العودة فوراً إلى حي المهاجرين في دمشق، بعد انتهاء ذلك البدن على وجه السرعة، وهو متأكد أن ما قبل هذا ليس كما بعده أبداً، وتعلم درساً بأنه ما إن كشف عن ساق لا بد أن يكشف عن الأخرى، والأفضل أن يسحل بنطاله تماماً حتى يستمتع بعملية الاغتصاب.

خليل المصري 21/10/2015، 21:07

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!