لماذا لا يجب علينا تصديق التاريخ؟

لماذا لا يجب علينا تصديق التاريخ؟

#حمص_بوست: كثير من المقالات والكتب ونحو ذلك كتبت عن حياة البشر بشكل عام، عن كل الأمم تقريباً، كل ما يمكن قراءته عن طريقة حياة البشر يمكن اعتباره تاريخاً، لكن هل علينا تصديق التاريخ؟! وحتى نكون على بيّنة من البداية لا بد من الإشارة إلى المثل الياباني:

إذ كنت تصدق كل ما تقرأ، فتوقف عن القراءة فوراً

ثم علينا إدراك حقيقة أن “التاريخ يكتبه المنتصرون” ففي الأزمان الغابرة لم تكن هناك منصات إعلامية متاحة أمام الجميع، ولم يكن المهزومون قادرين على إيصال أفكارهم بعد هزيمتهم، إذ أنهم ببساطة قد أبيدوا أو بحكم ذلك! وإن نجا أحدهم فإنه سيبالغ بوصف جيش العدو ليبرر هزيمته، أما في الجانب المنتصر فإن كتّاب التاريخ الذين كانوا حينها كتّاب سير جنحوا نحو استرضاء القائد المنتصر بخلع الأوصاف عليه، والتي غالباً تكون غير واقعية ومن باب المداهنة والتطبيل (بمصطلحات العصر).

معارك الزير سالم مثلاً بالكاد يمكن تشبيهها اليوم بالمشاجرات بين أبناء العشائر، إن تمت قصقصة الإضافات المبالغ فيها من جانب كتّاب السير والرواة ونحوهم، بينما تحيط بقصيدة الإلياذة وقصة ملحمة طروادة شكوك أكثر ضراوة إذ أن كتابة القصيدة كانت بعد الحرب المفترضة بمئات السنين، وبالمناسبة هذا ليس حكراً على ما جرى في التاريخ، منذ أيّام فقط نزل أنصار النظام السوري إلى الساحات للرقص بمناسبة “الانتصار على العدوان الثلاثي” رغم أن ما جرى هو قصف جوي لم يثبت أن النظام رد بشيء عليه!

اقرأ أيضاً: لعبر على تركيا.. زين الدين عابدين (ساخر)

أكثر من ذلك، من منا يصدق اليوم كل ما يرد في نشرات الأخبار؟ أيّاً كانت المحطة، إذ تبيّن أن ادعاءات المهنية والموضوعية لدى أعتى المؤسسات الدولية مثل هيئة الإذاعة البريطانية ووكالة الصحافة الفرنسية تخضع لإملاءات الحكومات ولأهواء المحررين ولسطوة رؤوس الأموال، وكل ذلك يخضع لسياسات دولية تقيدها المصالح، فلا تذاع كلمة دون هدف ولا تنشر صورة بلا غاية، والمعروف أن الكتابة في الأزمنة الماضية ونظم الشعر بابٌ من باب نقل الأخبار وتداولها، فبالله عليكم إن كنا لا نصدق أخباراً تذاع في أحداثٍ نعيشها، كيف نصدق أخباراً لأحداثٍ لم نعشها؟

لكن إن كنت تقرأ كتباً ومقالاتٍ عن التاريخ وتجمع منها ثم تحلل وتستنتج فهذا أمر ربما معقول، أما أن يكون المصدر برامج وثائقية ومسلسلات درامية فهذه كارثة بحق، رمسيس الثاني مثلاً أجريت حوله الكثير من الدراسات بعضها قال إنه كان مراهقاً مصاباً بمرض مجهول جعله عاجزاً يقضي حياته متكئاً على عكازٍ وعليه مات في ريعان الشباب، بينما تقول أخرى إنه كان مقاتلاً محارباً ويشهد على ذلك درعه الذي دفن معه، فأي الدراسات نصدق؟ ومثله مسلسلات صلاح الدين الأيوبي وقيامة أرطغرل وغيرها من المسلسات والأفلام التي بنيت أصلاً على حبكة درامية وليس على حادثة تاريخية.

لماذا حادثة وليست حقيقة؟

حسنٌ في هذا الباب لا يمكن التأكد أصلاً مما يأتي في كتب التاريخ، خصوصاً عندما يكون ما كتب قد تم وضعه بعد الحادثة بمئات السنين، كأن يأتي أحدهم اليوم وينشر عن أحداث 1860 في سورية ولبنان، هذه الأحداث أصلاً مجهولة بالنسبة لكثيرين، ومصادرها تكاد تكون معدومة اللهم ما عدا بعض السجلات الكنسية والروايات الشعبية، وقد تجاهلها كثيرون من باب نبذ الطائفية، لكن تخيّلوا أن يجهل شعب تاريخه القريب! ماذا سيفعل بتاريخه البعيد إذاً؟

اقرأ أيضاً: جنوب دمشق.. المعارضة وداعش والنظام

هذا ولم نتحدث بعد عن أسماء المدن والبلدات والأنهار، فمدينة حمص مثلاً كان اسمها في العهد البيزنطي “إيميسا” وعند الفتح الإسلامي استخدم اسم “حِمص”، بعض المؤرخين رجحوا أن يكون الاسم العربي نحت من الاسم البيزنطي (اليوناني) وبعضهم الآخر قال إن اسمها الأصلي بإحدى اللغات السامية القديمة واللفظ العربي أقرب إليه، وكذلك نهر العاصي، فقد ورد اسمه ببعض الكتب التاريخية العربية “الأرنط” بينما ما زال الغرب يستخدمون اسم “أورونتيس” وبالتأكيد هناك تشابه بين اللفظين، وإن حذفت السين اليونانية من آخر اللفظ الغربي يصبح التشابه أكثر وضوحاً.

ومدينة قادش مثلاً التي دارت فيها المعركة الشهيرة بين الحثيين والفراعنة والتي أسفرت عن كتابة أول معاهدة سلام في العالم، هناك من يقول إن المقصود مدينة قادش في إسبانيا وليس قادش السورية! رغم أن آلاف الأميال تفصل بين الموقعين ولكن هكذا يتم تأويل التاريخ، وطالما أن التاريخ مبني على التأويل أولاً فمن غير الممكن تصديقه مهما كان جميلاً، نعم نقرأ ونستمتع ونتخيل، لكن أن نصدق مثلاً أن لدى المماليك فرقة عسكرية خاصة يرتدي فرسانها الديباج والحرير وخيولها محدية بالذهب، فهذا أمر مستحيل طبعاً.

اقرأها في المصدر

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!