ملف إدلب: المعطيات والنتائج المحتملة

ملف إدلب: المعطيات والنتائج المحتملة

tahzir

تنبيه مسبق: هذا مقال رأي شخصي أنت غير ملزم بقراءته

#حمص_بوست: منذ القديم يحاول الإنسان اكتشاف القوانين التي يسير وفقاً لها الكون، وحتى القرن العشرين لم تتجاوز تلك الاكتشافات أبعد من تسمية الكواكب في المجموعة الشمسية وبعض النجوم فضلاً عن تحديد بعض قوانين الفيزياء التقليدية، ومنذ القرن العشرين فقط بدأ التطور في التسارع واتضح أن ما ينطبق على الأرض من قوانين يحتاج لإضافة عوامل لمحاولة تطبيقه في الفضاء، وذلك لم يتفق عليه أحد حتى الآن.

وبما أننا على الأرض فإن الثوابت هي الثوابت نفسها التي تحكم البشر منذ آلاف السنين، التقديرات الإلهية تسيير الأمور بنفس التفسير المنطقي دائماً، باستثناءات قليلة جداً، جداً جداً، وتلك الاستثناءات تسمى “معجزات”، الآن قد تتساءل عزيزي القارئ: “ما سبب كل هذه المقدمة التنظيرية؟”، الجواب أن ما سيأتي هو تفسير مبني على المنطق للمعطيات الأولية بين يدينا في الوضع السوري عموماً ووضع محافظة إدلب خصوصاً، هناك حيث تركّز وجود المهجّرين والنازحين الرافضين لنظام بشار الأسد الإرهابي على مر السنوات السبع الماضية.

المعطيات

منذ اليوم الأول للثورة السورية يعمل نظام الإرهاب على زرع عملائه داخل صفوفها، منذ المظاهرات السلمية مروراً بتشكيلات “الجيش السوري الحر” وصولاً إلى الفصائل الإسلامية التي يقع كثير منها في تصنيف التنظيمات الإرهابية لتبعيتهم العلنية لتنظيم القاعدة! وبغض النظر عن تحول المقاتلين إلى هذه التنظيمات وسبب ذلك التحوّل والدور المحتمل للنظام في ذلك، فإن تلك الاختراقات نجحت بالفعل ووصلت مراحل متقدمة للغاية توّجت باتفاقات المصالحة في مناطق سيطرة المعارضة سابقاً، عبر من يطلق عليهم اصطلاحاً اسم “الضفادع”، وللتوضيح فليس جميع الضفادع مجنّدين لدى النظام السّوري، هم فقط كانوا أعداء أغبياء له استطاع إقناعهم ببضاعته البخسة (المصالحات).

ومهما كانت الخسائر التي مني بها النظام السوري خلال سنوات الحرب فإن قدرات قواته تفوق بطبيعة الحال قدرات الفصائل في إدلب عسكرياً، عدا عن كونه يحظى بحلفاء أوفياء مثل روسيا وفارس (إيران) وميليشيا حزب الله الإرهابية ومثيلاتها، بينما تعمل الفصائل بقصد أو بغير قصد على خلق أعداء جدد كل يوم وقطع أي صلة ممكنة مع أي حليف ممكن.

إن وصلت إلى هذه الفقرة أيها القارئ العزيز وشعرت أن الإحباط يتسلل من بين الحروف فإنصحك بعدم المتابعة، لأننا ما زلنا في المعطيات ولم نصل إلى النتائج، وأعدك أن تتحول نظرتك السوداء إلى ما هو أكثر سواداً إن تابعت القراءة!

بالحديث عن الحلفاء لا بد من الإشارة إلى دور تركيا، قد يراه البعض سلبياً أو متذبذباً، وفي أحسن الأحوال قد يراه البعض مشرفاً على اتفاق آستانة، ولكن هل قام أحدهم بقياس القرارات التركية بناءً على المنطق؟ بعيداً عن الوعود الكثيرة التي قطعها الرئيس رجب طيب أردوغان، فإن الدعم الذي حظيت به الثورة السورية والمعارضة من تركيا لا يمكن قياسه بأي دعم من أي دولة أخرى، وربما يفسّره البعض استغلالاً أو شيء من هذا القبيل، ولكن بربّك هل تعتقد أن هناك إنساناً عاقلاً يحاول دعم معارضة فاشلة كالمعارضة السورية؟ معارضة مخترقة من عدوّها الأول حتى النخاع! لا يمكنها الاتفاق على هدف واحد او على صيغة جملة واحدة إلا بمئة فضيحة ومليون شتيمة، وبعض اللكمات أحياناً.

إذن فإن المعطيات هي: حلفاء نادرون، قدرات عسكرية أضعف من الخصم، واجهة سياسية فاشلة.

النتائج المحتملة

بأحسن الأحوال قد يجري تفاهم بين تركيا وروسيا كضامنين للمعارضة والنظام من أجل إنهاء جبهة النصرة (هيئة تحرير الشام) وضبضبة المقاتلين الأجانب بشكل ما، وتأمين طريق حلب – دمشق وطريق حلب – اللاذقية لفتحهما أمام حركة السير لاحقاً بل في أقرب وقت، وكل هذا كلام نظري يجابهه واقع وجود سلاح ثقيل جداً لدى جبهة النصرة التي أعلن قائدها الجولاني في كلمته التي عايدنا بها في عيد الأضحى أنه لن يقبل تسليم السلاح وأنه سيواجه الخطط القادمة وما إلى هنالك من العبارات الحماسية التي تخلوا تماماً من الكلام المبني على الواقع، كل ما قاله كان مبنياً على قواعد الإنشاء والخطابة فقط.

قد تسوء الأحوال بناء على ذلك لتجري مواجهات مع مجموعات جبهة النصرة وما شابه ذلك، وبالطبع فإن هذه المواجهات ستكون مختلفة عمّا جرى في المناطق الأخرى سابقاً، الطبيعة الجبلية الوعرة لبعض مناطق إدلب قد تجعل من تلك المواجهات معارك تزهق فيها أرواح المئات وتؤخر تطبيق اتفاق محتمل عدة أشهر.

أسوأ ما يمكن أن يحدث هو الاقتحام البرّي الواسع المدعوم بالقصف الجوي للطيران الحربي الروسي، اقتحام عنيف لرقعة ضيقة مغلقة من الأرض التي تؤوي مئات آلاف المدنيين، وهؤلاء المدنيون هم ما يؤخر جميع الاحتمالات السابقة حتى الآن، وهم أكثر العوامل صعوبة في ملف محافظة إدلب، إذ تشير التقديرات أن عددهم يصل لنحو مليوني شخص غالبيتهم نازحون من محافظات أخرى، وهذا ما يقودنا إلى الفصل الثالث من هذا الملف.

المدنيون ومصيرهم

يمكن أن يفرز المدنيون في ملف محافظة إدلب إلى ثلاث فئات: الأولى هي فئة النازحين والمهجّرين، والثانية هي فئة أهالي المحافظة المعارضين للنظام السوري، والثالثة هي فئة أهالي المحافظة المؤيدين للنظام أو غير الرافضين لدخول قواته، وفي حين يبدو مصير الفئة الثالثة محسوماً وواضحاً وغير ذي داعٍ للخوف أو المناقشة إن جرى أي تطور في ملف محافظة إدلب، فإن الفئتين الأولى والثانية هما الفئتان اللتان تستدعيان النقاش.

وبشأن الفئة الثانية، فإن النظام قد يوافق على دخولهم في اتفاق المصالحة على غرار ما جرى في محافظة درعا وفي الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وبناءً عليه فإن الخيار أمامهم سيكون إما الموافقة أو الرفض إن كان هذا ما ستؤول إليه الأمور، وإن جرى اتفاق بصيغة ما حول انسحاب الفصائل من أجزاء من محافظة إدلب وحصر وجودها في أجزاء أخرى فإن من سيرفض منهم سيتحول إلى نازح في الجيوب الأخيرة لفصائل المعارضة، إن بقي جيوب.

في حين أن الفئة الأولى لن تتمتع بالخيارات المتاحة أمام الفئة الثانية، فهم أصلاً رفضوا المصالحات في وقت سابق بمحافظاتهم الأصلية، وبالتالي فإن النظام هو من سيرفض بشكل رئيسي إجراء مصالحات معهم، باعتبارهم “عوائل الإرهابيين الذين فضّلوا التهجير على العودة إلى أحضانه”، وإن كانت الأقدار لطيفة بهم فسيكون مصيرهم التهجير مجدداً.

وهذا يقود إلى التساؤل عن إمكانية فتح الحدود التركية أمام موجة نزوح جديدة، خصوصاً وأن الشارع التركي بات ينظر إلى الحرب في سورية على أنها منتهية ويطالب بإجلاء اللاجئين الذين وفدوا خلال السنوات السابقة إلى بلادهم، وبالطبع فإن الشارع لا يحكم على ذلك بالمنطق، ولكن هذا هو الواقع، وبالتالي فإن أفضل ما يمكن أن يحدث هو فتح الباب أمام الهجرة غير الشرعية مجدداً نحو أوروبا، وبالتالي أزمة لجوء جديدة في القارة العجوز، التي أنهكتها أزمة العام 2015 واضطرتها إلى التفاوض مع تركيا حول ضبط مياه البحر ومنع تسلل اللاجئين.

كل ذلك يعيدنا إلى المربّع الأوّل، هل سوف تتدخل الدول الأوروبية لمنع أزمة محتملة إن شن النظام السوري هجوماً عسكرياً على إدلب؟ ما هي أبعاد هذا الهجوم وشدته والمساحة التي يستهدفها؟ ومع تجاوز عدد كلمات هذه المقالة الألف كلمة، كم من المقالات التي ستكتب عن هذا الملف حتى يتم إغلاقه؟ الله وحده يعلم.

اقرأ أيضاً:
• مسؤول فارسي يؤكد قرصنة قواته لكامل الخليج العربي
• “الدولة ولاك” تدخن الأركيلة.. الرجاء عدم الإزعاج!
• شال أسماء يثير تساؤلات السوريين: هل الكيماوي هو السبب؟!
• بيت الأسد عملوا مسابقة وفازوا فيها
• أرادوا العودة إلى حضن الوطن لكنه بعيد!
• لماذا تتعارض تصريحات مسؤولي قسد بشأن معركة إدلب؟

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!