انهيار التفوق الأحادي

أحمد أبوزهري

ما حدث فى شرق خان يونس ليس إلا جولة من الجولات القاسية فى سجل الإخفاقات التى مست كرامة ومكانة ومنظومة الاستخبارات الأسرائيلية

فى الحروب الحديثة لا يوجد للعدو خط واضح وأهداف ثابتة، لذلك تبذل الاستخبارات جهداً معلوماتياً هائلاً مستعينة بقدرات متنوعة سخرت لهذا الغرض للقضاء على التهديدات المتنامية، فالنظام التقليدى لم يعد يجدي نفعاً لأن العدو يتحرك فى الخفاء، من هنا تتحرك عيون الاستخبارات لإبقائه تحت النظر، ومن ثم اتخاذ الوقت المناسب للإجهاز عليه.

وفى الحرب الاستخبارية وصراع الأدمغة الحاصل بين المقاومة الفلسطينية وبين الأجهزة المختلفة طرف العدو الإسرائيلى، لا يمكن لعقل أن يتصور خطورة وحساسية ما يجرى، فثقافة هذا العدو الاستخبارية تقوم على بناء أجهزة أمنية واستخبارية مختلفة، لتحقيق الهدف الاستراتيجى وهو توفير الحماية للأمن القومى الإسرائيلى؛ لكونهم يعيشون فى ظروف مختلفة فى ظل محيط من الأعداء فى جبهات مختلفة بما فيها العدو الفاعل المقاومة الفلسطينية التى تجمع النقاط بحذر وتراكم المعلومات حول ما يجرى فى جبهات العدو وتحتفظ بذخيرة كافية من الأهداف.

صراع خفى يجرى قد لا يلحظه الكثيرون؛ لأن الأمر فى الظل يبقى بعيداً عن الأضواء، ففى كثير من الأحيان تتقدم المقاومة جيداً فى عملها الاستخبارى تجاه العدو ولا حاجة لها فى النشر والإعلان، والعدو يحاول فى كل مرة ترميم صورته بعد كل انتكاسة، فبالرغم من القدرات والتجهيزات الضخمة والنوعية والتفويض الذى تتمتع بها هذه الأجهزة الصهيونية فإنها تلقت ضربات أفقدتها صوابها، فالمقاومة فى كل ساعة تغلق نوافذ جديدة فى وجه العدو وتقطع خطوطًا أخرى عليه، حتى بدا مشوشاً؛ فحجم المعلومات عن الأهداف بدا منخفضاً، فملاحقة العملاء وكشفهم وفك الرموز وتعطيل الأجهزة لم يتوقف.

لم يعتد ضباط الاستخبارات الإسرائيليين على حالة الفشل فى ظل سجل النجاحات المتكررة فى الساحات العربية وغيرها، وبالرغم من المعالجات المستمرة وتقديرات الموقف إلا أنهم فى حالة عجز، فكل الإمكانيات المتطورة لا تستطيع حتى الدخول إلى عقل المقاومة وفهم ما يجرى أو المساس بجدول العمليات أو فك شيفرات بقت مجهولة وعصية على الفهم فى عمليات الخطف وغيرها.

وما حدث فى شرق خان يونس ليس إلا جولة من الجولات القاسية فى سجل الإخفاقات التى مست كرامة ومكانة ومنظومة الاستخبارات الأسرائيلية، لقد أصيبوا بالصدمة وهم يتابعون فى غرف المتابعة خلف الشاشات قائد القوة الخاصة الإسرائيلية وهو يتعرض للطلقات ويسقط صريعاً ومن ثم تحاصر قواته، كانت فى هذه اللحظة التعليمات العاجلة باستخدام النيران بكثافة وقصف كل هدف يتحرك لإنقاذ قواته ونخبته بعد أن سقطوا فى الوحل،

وقد بدت المقاومة مسيطرة، وفى لحظات يبدأ القصف للقطع والعزل والتشويش والإنقاذ ولم يمنع المقاومة ذلك من استنفار قواتها وتعريض طائرات العدو للخطر من خلال محاولة استهدافها، وقد تحدث الطيار وبعض الفرق المساهمة فى الإنقاذ أنه حدثت معجزة حين خرجت باقى القوة أحياء، لم تغادر الطائرات قبل أن تقصف المركبة الخاصة بقواتهم لإخفاء كل المعلومات حول هذه العملية قدر الإمكان.

يدرك العدو تبعات ما فعل فلقد كانت الضربة فى مقتل، لم يتخيل ما جرى لقواته، ولم يتوقع هذا المصير وفى داخل الغرف المغلقة لهذه الأجهزة تجرى تحقيقات لمعرفة ما جرى وكيف تم اكتشافهم، وأمام خيبة الأمل وانكسار قادة العدو والتداعيات الخطيرة لهذه العملية ووقعها السلبى على صانع القرار الذين دفع بعضهم ثمنًا موقعه السياسى، وقد يلحق العار والضرر بآخرين.

تلملم قيادات العدو الإسرائيلى ما تبقى لها من كرامة بعد الهزيمة والإهانة المحققة، وتحاول تدارك الأمر بنشر شائعات وروايات حول القوة وما حدث، رغبة فى إقناع وطمأنة جبهتها الداخلية وسعيها المساس المباشر بالشارع الفلسطينى ومكانة المقاومة واستطلاع المعلومات وردات الفعل، لكنها تفشل أيضاً فى تمرير ذلك، فوعي المقاومة ومصداقيتها لدى الشارع الغزيّ تجعلها فى الصدارة، وقد أدارت المعركة بهدوء أعصاب وأحاطتها بسرية تامة وأخفت ما لديها، وقد حطمت نظرية التفوق الأحادي التي لطالما تغنى بها العدو، إلى أن بعث أحد قيادات المقاومة فى حفل تأبين شهداء العملية بإشارات توحي بما تخفيه المقاومة من حجم كبير من التفاصيل والمعلومات التى لا حاجة لنشرها الآن.

لكن كانت الإشارة واجبة فى ظل ترقب العدو للخطاب ليزداد ارتباكه أكثر وتزيد مشقته عما يجرى فى عقل المقاومة وفى دوائرها المغلقة، ولأن شعبنا يؤمن تماماً أن تضحياته المتواصلة ورهانه على المقاومة والتفافه حولها هو السبيل لمواجهة الأخطار التى تتهدد قضيتنا الوطنية. لقد غادر السنوار منصة الحفل وترك الباب مفتوحاً للتساؤلات؛ ما الذي تخفيه المقاومة من تفاصيل ومعلومات فالأيام دوَل، وما فعلته المقاومة هى صفعة مؤلمة لقادة العدو واستخباراته الخائبة.

أحمد أبوزهري
الباحث فى الشؤون السياسية والقانونية

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!