دبكة ودبيكة.. وخمسمية محروقة

دبكة ودبيكة.. وخمسمية محروقة

لا ينفع أن تقام وقفة احتجاجية أو أمسية انتخابية أو أي نوع من أنواع الأعراس الوطنية دون حلقات الدبكة التي تتشابك فيها أيدي الشباب والصبايا

#حمص_بوست: لعقود طويلة ظلت الأغاني الشعبية شعبية، بمعنى أنها كانت حبيسة الأفراح والمناسبات، ويقتصر بيع أغانيها على محلات الكرجات وغالباً ما كان يتم نسخها على أشرطة كاسيت مقلدة تعلكها المسجلة مراراً وتكراراً، وإن صادف أن يكون في منزلك أحد هواة هذا النوع من الأغاني، فغالباً سيتنهي بك المطاف حافظاً للتحيات التي يوجهها حاضرو الحفل المسجل لبعضهم وأماكن “علك الشريط” المعتادة، او مواقيته بتعبير أوضح.

ذلك ما كان عليه الوضع حتى العام 2000، ذلك العام الذي مات فيه حافظ الأسد وتولى فيه بشار الأسد الحكم في سورية بطريقة لم يشهد لها التاريخ على صعيد الجمهوريات، ولو بالاسم، المهم أن سياسة بشار كانت مختلفة عن سياسة والده بشأن الموسيقى والتراث الشعبي، وأذكر أنني استمعت لبرنامج إذاعي على إذاعة دمشق وكانت تتحدث إحدى العاملات بمؤسسة السينما (الحكومية) وقالت يومها إن حافظ الأسد شخصياً كان يمنع عرض الأفلام التي يتحدث الممثلون فيها باللهجة العلوية الساحلية، مهما كانت تلك الأفلام جيدة من حيث القصة ومؤدية للهدف بالنسبة للنظام السوري.

ما زلت أذكر كيف صعد نجم “علي الديك” فجأة بأغنية “الحاصودي”، ليأتي بأغنية “علوش” التي كانت من أولى الأغاني الشعبية التي تم تصوير “فيديو كليب” لها، ولينفجر بعدها “سياق” مطربي الأغاني الشعبية، ألحان مضروبة وأصوات نشاز، لكنها كانت تشعل حماس “الدبّيكة” (محبي رقصة الدبكة)، والدبكة رقصة شعبية لها تقاليدها ومعروفة بهذا الاسم (ومشتقاته) في دول بلاد الشام والعراق وأجزاء من تركيا، بمختلف المكونات الشعبية لهذه الرقعة الجغرافية، لتصبح هذه المسألة صباغاً يلوّن مرحلةً بكاملها ما زالت مستمرة على ما يبدو، ووصل هذا الصباغ إلى السياسة أيضاً.

فلا ينفع أن تقام وقفة احتجاجية أو أمسية انتخابية أو أي نوع من أنواع الأعراس الوطنية دون حلقات الدبكة التي تتشابك فيها أيدي الشباب والصبايا، وينخ المشاركون من “قلب محروق” على أنغام الأغاني الوطنية التي أخذت من الأغاني الشعبية ألحانها الصفيقة وكلماتها المبتذلة، كأنما حال الحكومة يقول إني “نكحت موطنكم وارقصوا”! حتى أن هذه العدوى انتقلت إلى الكيانات المتشكلة حديثاً، كالإدارة الذاتية الكردية في شمال وشرق سورية، فلا تخل خلوة من خلوات المطالبة بفك العزلة عن “آبو” إلا ويقوم المشاركون فيها بتنظيم حلقات الدبكة، كما يفعلون عند تخريج كل دورة من دورات “قوات الحماية الذاتية” أو “قوات الآسايش” وما إلى هنالك من الأسماء المكوناتية الفيدرالية الخالية من الكوليسترول!

لا أريد أن أنفي أن الدبكة والدبيكة وجدوا طريقهم في مرحلة من المراحل إلى المظاهرات السلمية مطلع الثورة السورية، وغالبية الأهازيج بطبيعة الحال في تلك المرحلة من الثورة كانت مشتقة من الأغاني المحفوظة والتي كانت في معظمها من فئة الأغاني الشعبية، وربما ذلك ما دفع “الطبقة المخملية” إلى الترفّع عن المشاركة في الثورة وواصلوا “شم الياسمين” في حضن الوطن المعطاء، والخمسميات ما زالت تحترق.

_____________________________________

اقرأ أيضاً:
• هكذا تكون مواطناً صالحاً
• لماذا يغطي إعلام النظام السوري مظاهرات فرنسا؟!
• بنت بشار بغرفة الي خلّفها.. غرفة صناعة دمشق وريفها سابقاً
• لا تقولوا للجلاد كفى ضرباً فقد يضربنا أكثر
• ماذا لو تنحى بشار الأسد منذ العام 2011؟!!!
• متلازمة البعث

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!