مضر محب الدين: حاطب نت

مضر محب الدين: حاطب نت

حدثني فلان بن فهمان:  كان يا ما كان في قريب العصر والأزمان، كان للعلم حرمته، وأهله وخاصته، من الذين يثنون الركب في الجوامع، ويسهرون الليل في الصوامع، ثم فشا العلم فشوًا سريعًا، وانتشر انتشارا مريعا، لما أُنث الجامع فصار جامعة وطبع كثير من الكتب النافعة.

وفُشُوُّ العلم أمر مفيد، وسبيل للتقدم والرقي وسعادة العبيد، فصرت ترى الأستاذ الجليل قد أمضى في الدراسة والبحث عمرا، حتى تأبط فكرا ولكن هذه المرحلة لم تدم إلا بضع سنين، ومع القفزة الحضارية والمعرفية في نهاية القرن العشرين، أصبحت آلاف المكتبات، مخزنة في جهاز جيب صغير في بضعة ميغابايتات.

وحتى الآن مازال الأمر جميلا، أن تذلل العلم للناس تذليلا، بعد أن كان شئزا وثقيلا، لكن تذليل الصعاب دعا بعض الناس للتشبع بما لم يعطه الوهاب فصرت تلاحظ اتساع عباءه الأسماء والألقاب وما أكثر من تلتقيه من مدرب دولي أو معتمد عالمي، أو دكتور وبروفيسور، أو أخصائي مريب صاحب اختصاص غريب.

والأعجب من ذلك، الحاطبون في الليالي الحوالك، تسألهم في العلم والأدب، أو في علوم العجم والعرب، فيذهبون في العتم يحتطبون، فيجلبون لك العظم والحجر والحطب، بل إني لأعجب أشد العجب، في هذا الزمان من حاطب النت وتلاميذ الشيخ غوغل أحدهم لم ينه التعليم الثانوي ثم إذا طرأ له أمر، يستدعي اجتماع أهل بدر، لم يكلف خاطره بسؤال خبير أو استشارة عالم نحرير، بل يطلق يده المرتبكة، في هذه الشبكة، فلا يدري أيخرج له نعل قديم أم سمكة، يقمش من هنا وهناك، ويقرأ هذا المقال أو ذاك، ثم يقول لقد بحثت في المسألة، وجمعت الأمثلة، ولذا… فقد تبين لي كذا وكذا…. وهذا والله تخريص وتنجيم، وانحطاط في التعلم والتعليم، ولا يفعله غير مغرور أثيم، أو ماكر ثعلب، من أصحاب الجهل المركب ولا يعني هذا أننا نحارب التطور أو نخطئ حول التقنية التصور، لكن المثل يقول (ما كل من صف الصواني صار حلواني) وطريق العلم لمن أراد، قد يسره الله للعباد، فعليك بطلب العلم والبحث والدراسة، مستعينا بهذه التقنية على إكساء البناء لا أن تشكل بها أساسه، فإذا جمعت الأصول، وميزت بين الفاعل والمفعول، واحتجت إلى الادوات، فأمامك المعلم المعين والكتاب المبين والإنترنت، بها أو بإحداها تستعين وحاطب النت هذا هو عينه من كان يستقي علومه وأفهامه، من خلفية أوراق الرزنامة ، فلما انقطعت به السبل عن الورقيات، ومضى زمان المطبوعات، تحول إلى الانترنت وما يحتويه من علوم وشائعات، وهو نفسه عندما تصله بعض المنشورات، حولها في حماسة إلى كل الأرقام عنده على الخاص وعلى المجموعات، دون أن يشغل عقله الفظيع، يحدد ويرسل للجميع، لا يهم سواء كان المنشور عن علاج الفجل لمرض السكري، أو لملاحظات تشيكوفسكي على شعر البحتري، أو طريقة طهي لحم نمر الصين مع فاكهة الفلبين، وقد تصل به نرجسيته أن يتمادى ، فيرسل لك في آخر الليل منشورا عن أضرار القمار على اقتصاد نيفادا ،أو مع بزوغ الصبح وقبل أن تتثاءب الارواح قد يرسل لك منشورا عن هتلر وقصة الكفاح، أو ستيف وقصة النجاح ، لا يهم ،منشور في الاقتصاد او السياسة أو الإعجاز، ومنشور في الطبخ والأدب والألغاز، كل همه الظهور بمظهر الفهيم، المثقف المتابع الفهيم، و والله لو قرأ كل ما يعيد تدويره، وبحث في كل ما يحاول تمريره، لربما صار من أهل العلم، واستنار بنور الفهم، أقول ربما؛ لأنه لا يفعل ذلك او قلما.

يقول فلان بن فهمان: رحم الله أيام الكتّاب، والطباشير واللوح والكتاب ، وأجزل لهم الرحمة والثواب، فلقد رأينا في زماننا هذا العجاب.

مضر محب الدين

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!