ثورات بسمنة وثورات بزيت

ثورات بسمنة وثورات بزيت

#حمص_بوست: منذ قديم الأزل، يختلف الإنسان على تفضيل الطريقة المثلى لوضع لمسة الختام على “الفتة” بأنواعها، إذ لا بد من “تقلايتها” أو وضع “الطشّة” الأخيرة على وجه الفتة، التي قد تكون فتة حمّص، أو فتة دجاج، أو فتة كراعين، أو أو … إلخ، حيث يفضل البعض أن تقلّى الفتّة بالسمنة بينما يفضل آخرون أن تقلّى بالزيت (زيت الزيتون)، وبين أتباع المذهبين نزاع مستمر حتى يومنا هذا، بل إن الشخص نفسه قد تنازعه نفسه الهوى بين الطريقتين!

هنا يقودنا الحديث عن النزاع المستمر، ومنازعة النفس للهوى، إلى المظاهرات في لبنان، التي يغرّد عنها المغردون تحت وسم “#لبنان_ينتفض” عبر منصة تويتر للتواصل الاجتماعي، وحتى اليوم، لا أرى سوى نسبة ضئيلة من مستخدمي هذه المنصة تعارض مبدأ التظاهر في لبنان، وتضاءلت هذه النسبة أكثر مؤخراً بعد الطقوس الظريفة التي يمارسها اللبنانيون خلال مظاهراتهم، لكن الغريب حقاً أن هناك أشخاص مُتَابعين على مستوى الإقليم، أعلنوا دعمهم للحراك في لبنان، بعدما كانوا في عداد الشبيحة ضد الحراك في سورية.

ولن أذكر هنا أي اسم، حتى لا أقع في التكرار، فقد باتت أسماؤهم معروفة لغالبية متابعي الشأن السياسي في المنطقة عموماً، منهم الممثلون والمغنون والمذيعون (الإذاعيون والتلفزيونيون)، وصولاً إلى رجال الأعمال والسياسي، بل وحتى صغار الكسبة وعامّة الشعب أيضاً، إذ أن طيفاً واسعاً من هؤلاء يدعمون الحراك في لبنان، لسبب أو دونه، ولكن سؤالي واستغرابي من سبب إحجامهم عن إبداء أي نوع من التعاطف مع الثورة السورية حتى في ربيعها الأول، وقبل أن تزحف عليها جحافل المقاتلين المتطوعين وغير المتطوعين.

ما الذي يجعل المظاهرات في لبنان (بسمنة) والمظاهرات في سورية -سابقاً- (بزيت)؟ أم أن ما يجوز في لبنان لا يجوز في سورية؟ أم أنهم مقتنعون بأن منظومة الحكم في سورية صالحة وطوباوية لا يجوز الخروج عليها؟ إذ أن الجميع يعلم كيف كانت سورية جمهورية وراثية ونسخة طبق الأصل عن جمهورية كوريا الشمالية، هناك حيث لا مكان لشيء إلا لمحاسيب “الصّفوَة الحاكمة” غصباً وبالإجبار، وسط غياب تام لأي نوع من أنواع الحياة السياسية خارج إطار “حزب البعث” والمنظمات الرديفة له!

باستثناء ليبيا في عهد معمّر القذّافي، فإن الوضع في سورية لم يكن قابلاً للمقارنة مع أي من الأوضاع في البلدان الأخرى، لا من حيث الحريات ولا من حيث إمكانية الحياة أساساً، فالشكوى من ارتفاع أسعار الخضار -مثلاً- كان من الممكن أن يودي بك إلى غياهب الأرض السابعة، أو إلى ما وراء الشمس، على اعتبار أن الشكوى تعني أنك تنتقد نظام الحكم وتنال من هيبة الدولة وتوهن عزيمة الأمّة.

عموماً، المبادئ لا تجزّأ، وإن كانت الذريعة أن المطالب في لبنان هي ضد الفساد والفاسدين، فالجواب أن الفاسدين في لبنان لم يكونوا سوى تلاميذ لدى منظومة الحكم السورية خلال فترة الوصاية التي استمرت لنحو ثلاثين عاماً وانتهت بمظاهرات “ثورة الأرز” عام 2005، فمهما كان الفساد في لبنان فإن رئيساً لم يرث الحكم عن أبيه مباشرةً، وحزباً لم يختزل في كيانه الحياة السياسية لبلد بأكمله كما كان الوضع عليه في سورية، وما زال، وأتمنى أن يزول.

Liked it? Take a second to support homspost on Patreon!